ابن رشد

183

تهافت التهافت

الوجود من ذاته وأن معنى واجب الوجود أنه لا علة له أصلا لا في ذاته بما بها قوامه ، ولا من خارج ، فلا انفكاك لهم عما ألزمتم الفلاسفة وذلك أنه إن كانت الصفات متقومة بالذات فالذات هي الواجبة الوجود بذاتها ، والصفات بغيرها فيكون واجب الوجود بذاته هي الذات والصفات واجبة بغيرها ، ويكون المجموع منهما مركبا ، لكن الأشعرية ليس تسلم لهم أن واجب الوجود بذاته يدل على هذا لأن برهانهم لا يفضي إليه إذ كان برهانهم إنما يؤدي إلى لا علة له فاعلة زائدة عليها . قال أبو حامد : والاعتراض على هذا أن يقال : المختار من هذه الأقسام هو القسم الأخير . ولكن إبطالكم القسم الأول وهو التثنية المطلقة قد بينا أنه لا برهان لكم عليها في المسألة التي قبل هذه وأنها لا تتم إلا بالبناء على نفي الكثرة في هذه المسألة وما بعدها ، فما هو نوع هذه المسألة كيف تنبىء هذه المسألة عليها . ولكن المختار أن يقال الذات في قوامها غير محتاجة إلى الصفات والصفات محتاجة إلى الموصوف كما في حقنا . فيبقى قولهم : إن المحتاج إلى غيره لا يكون واجب الوجود . فيقال : إن أردتم بواجب الوجود أنه ليس له علة فاعلية فلم قلتم ذلك ولم استحال أن يقال كما أن ذات واجب الوجود قديم لا فاعل له فكذلك صفته قديمة معه ولا فاعل لها ، وإن أردتم بواجب الوجود أن لا يكون له علة قابلية فهو ليس بواجب الوجود على هذا التأويل ولكنه مع هذا قديم ولا فاعل له فما المحيل لذلك . فإن قيل واجب الوجود المطلق هو الذي ليس له علة فاعلية ولا قابلية ، فإذا سلم أن له علة قابلية فقد سلم كونه معلولا . قلنا : تسمية الذات القابلة علة قابلية من اصطلاحكم والدليل لم يدل على ثبوت واجب الوجود بحكم اصطلاحكم وإنما ذلك على إثبات طرف ينقطع به تسلسل العلل والمعلولات ولم يدل إلا على هذا القدر وقطع التسلسل ممكن واحد له صفات قديمة لا فاعل لها ، كما أنه لا فاعل لذاته ، ولكنها تكون مقدرة في ذاته فليطرح لفظ واجب الوجود ، فإنه ممكن التلبس فيه فإن البرهان لم يدل إلا على قطع التسلسل ولم يدل على غيره البتة فدعوه غيره تحكم . فإن قيل : كما يجب قطع التسلسل في العلة الفاعلية يجب قطعها في القابلية إذ لو افتقر كل موجود إلى محل يقوم فيه ، وافتقر المحل أيضا إلى محل ، للزم التسلسل كما لو افتقر كل موجود إلى علة وافتقرت العلة أيضا إلى علة . قلنا : صدقتم فلا جرم قطعنا هذا التسلسل وقلنا : إن الصفة في ذاته ، وليست ذاته قائمة بغيره ، كما أن علمنا في ذاتنا وذاتنا محل له وليس ذاتنا في محل فالصفة انقطع تسلسل